هل يتغير الإنسان مثل سفينة ثيسيوس؟

أرسل لي كاتب رواية طلب رأيي في نصه. كان بطله قد نجا للتو من جرح عميق، لكن الجرح لم يظهر في السرد كله، ولا الطريق التي سلكها ليخرج منه. كان يتحرك بين الصفحات وكأنه ولد في الصفحة الخمسين من فراغ.

قلت له: اجعل الجرح جزءاً من الحبكة، فهو ما صنع بطلك.

ابتسم بهدوء وقال إنه يريد لبطله أن ينسى كل شيء، وأن يبدأ صفحة جديدة كأن الماضي لم يكن.

لم أقتنع برأيه، لكنني فهمت دوافعه. تمنيت الشيء نفسه لنفسي أكثر من مرة؛ أن أستيقظ وقد اختفت الندوب، وأنظر إلى الوراء فلا أرى أحداً. ومنذ ذلك اللقاء ظل سؤال يرافقني: هل يبدأ الإنسان من جديد فعلاً؟ أم أنها جملة نرددها لأنفسنا لنحتمل ما مضى؟

نحب أن نتخيل الهوية لوحة يمكن محو ألوانها والبدء من جديد. لكنها أقرب إلى نسيج؛ كل خيط فيه مشدود إلى ما قبله، ولا يُنزع خيط من دون أن تهتز القطعة كلها. من يحاول محو ماضيه لا يتخلص منه، بل يدفنه فقط. وما يُدفن لا يختفي، بل يواصل حياته تحت السطح، ويشارك في صنع قراراتنا من مكان لا نراه.

أعرف من حاول أن ينسى بالقوة. لم يهدأ، بل توقف عن الحديث. ظل الجرح يعمل في صمت، بينما كان يقنع نفسه والآخرين بأنه تجاوزه.

هنا تذكرت سفينة ثيسيوس. يقال إن ألواحها كانت تُستبدل، لوحاً بعد لوح، حتى لم يبق فيها لوح واحد من الأصل. ومع ذلك ظل الناس يسمونها السفينة نفسها.

ربما لأن التغيير لم يحدث دفعة واحدة، بل نما من داخله. كل لوح جديد حمل أثر اللوح الذي سبقه، كما تحمل السنوات آثار ما قبلها. أما أن نستبدل الألواح كلها في ليلة واحدة، فهذه ليست السفينة نفسها، بل سفينة جديدة استعارت اسم القديمة.

وربما هذا ما يطلبه بعضنا حين يتمنى أن يبدأ من جديد؛ أن يبدل كل الألواح دفعة واحدة. ليس لأن الماضي انتهى، بل لأنه يريد القفز فوقه.

الشخصيات التي تُقطع عن ماضيها، في الرواية كما في الحياة، تبدو أخف مما ينبغي. لا نصدق إنساناً بلا ندوب، لأن الندوب وحدها تخبرنا أنه عاش حقاً، لا أنه مجرد فكرة تمشي على صفحة.

فلماذا نخفي ندوبنا إذاً؟

ربما لأن الاعتراف بالجرح يعيدنا إلى لحظة انكسرنا فيها، ونحن نحب أن نتذكر أنفسنا واقفين لا ساقطين. لذلك لا يكون إخفاء الجرح دائماً علامة على التعافي، بل قد يكون مجرد خوف هادئ من النظر إليه مرة أخرى.

لكن، هل من حقي حتى أن أقول هذا؟

ربما كانت كل هذه التأملات عن الاستمرارية والهوية مجرد طريقتي الشخصية في منح ألم قديم معنى يحتمله. وربما كان ذلك الكاتب يرى ما لم أره.

ماذا لو كان النسيان، حتى لو كان وهماً، هو الشيء الوحيد الذي ينقذ بعض الناس حين تصبح الذاكرة أثقل من أن تُحمل؟

لا أعرف.

كل ما أعرفه أن السفينة، مهما تبدلت ألواحها، لا تمحو البحر الذي عبرته.